كوريا تفكُّ شفرتها أمام العرب
نظام التعليم الكوري الحديث يقود إلى انقلاب في المفاهيم والتطبيق وخلق الإنسان الكوري الجديد.
كتب ـ أحمد فضل شبلول
من نافذة حجرتي بالطابق التاسع والعشرين بفندق إنتركوتننتال بالعاصمة الكورية سيول، أراقب حركة الشارع الكوري في السادسة صباحا.
ليست حركة السيارات الملاكي بأحدث موديلاتها وألوانها والمنسابة عبر حركة مرور منتظمة وسط شوارع تكاد تلمع من شدة نظافتها واستقامتها، هو ما يلفت انتباهي فحسب، ولكن ما يلفت انتباهي الآن هو لون الأتوبيسات أو الباصات الكبيرة التي يركبها المواطنون، وأنا أعشق ركوب هذه الأتوبيسات أكثر من السيارات الملاكي، فالفرصة فيها للمشاهدة والمرور على أماكن وشوارع كثيرة، تكون أكثر في الغالب من السيارات الملاكي.
لقد مر أمامي الآن أكثر من لون، فهناك الأتوبيسات ذات اللون الأحمر، وذات اللون الأخضر، وذات اللونين الأحمر والأبيض معا، وهناك أتوبيسات بلون أزرق، وأتوبيسات أخرى باللونين الأزرق والأبيض معا، وأتوبيسات باللون الأصفر، وكلها من شدة نظافتها التي ألاحظها من الطابق التاسع والعشرين تشكل قطعا حية من الفن التشكيلي المتحرك، أو الفن التشكيلي ذي (الموتور)، وخاصة عندما يمر أمامك في اللحظة نفسها وفي الاتجاهين معا، وفي حدود منظور الرؤية، أكثر من أربعة أتوبيسات، في قلب الشوارع الكورية.
كما لاحظت أتوبيسات أو باصات أقل حجما (ميني باص) ذات لون أصفر فاقع، ولكنها تسر الناظرين، وهي تشبه سيارات الميكروباس في شوارع القاهرة والإسكندرية، ولكن شتان بين هذه وتلك من حيث موديلاتها ونظافتها وسلوك سائقيها.
كنت أعتقد أن ألوان الأتوبيسات تحدد اتجاهات السير، بدلا من الأرقام، فالأتوبيس الأخضر مثلا يتجه إلى الناحية الفلانية، والأتوبيس الأحمر يتجه إلى ناحية أخرى، وهكذا، ولكن عندما بدأت أسير في الشوارع وجدت أن الأتوبيسات تحمل أرقاما أيضا، وعرفت بعد ذلك أن الشركات المالكة للأتوبيسات أو الباصات هي التي تحدد ألوان سياراتها، وأن هناك عشقا جنونيا للألوان ومفرداتها لدى الشعب الكوري.
أيضا أستطيع أن أتابع وأنا جالس خلف شرفتي الزجاجية بداخل الحجرة رقم 2963 نهر الهان القريب جدا مني، وهو النهر الذي يمر بالعاصمة سيول، ويكاد يقسمها إلى شطرين، وهو يشبه إلى حد كبير نهر النيل وهو يمر بالقاهرة، أو نهر السين وهو يمر في باريس.
ونهر الهان نهر هادئ، مثل الشعب الكوري الطيب الهادئ المبتسم، أنشئت عليه الكثير من الكباري تسهيلا لحركة المرور التي لا تهدأ، فسيول عاصمة مزدحمة بالبشر والحركة الموارة الدائبة مثلها في ذلك مثل العواصم الكبيرة في العالم. إنها حقا عاصمة كبيرة يقطنها أكثر من عشرة ملايين نسمة من مجموع الشعب الكوري الجنوبي الذي يقارب خمسين مليون نسمة.
غير أن سيول، رغم أنها العاصمة الرئيسية لكوريا الجنوبية، لا يوجد بها مطار دولي، فالمطار الدولي القريب منها يقع في مدينة انتشون التي تبعد عن سيول بنحو 35 كيلومترا، وسمي المطار باسمها "مطار انتشون الدولي" الذي هبطتُ فيه وصولا من دبي الإماراتية بعد أن قضيت بها حوالي 9 ساعات (ترانزيت) قدوما من القاهرة.
الرحلة من القاهرة إلى دبي تستغرق حوالي ثلاث ساعات طيرانا، ومن دبي إلى انتشون الكورية حوالي سبع ساعات في الذهاب (وعشر ساعات في العودة) يضاف إلى ذلك تسع ساعات انتظار في مطار دبي الدولي (وعشر ساعات في العودة) ناهيك عن الرحلة من الإسكندرية إلى مطار القاهرة الدولي التي استغرفت حوالي أربع ساعات، غير أوقات الانتظار قبل إقلاع الطائرة.
يتضح بذلك أن يوما بكامله يستغرقه السفر من الإسكندرية إلى سيول، لذا سعدت كثيرا عندما وصلت أخيرا إلى حجرة الفندق بسيول لأحاول أن أنعم بقسط وفير من الراحة بعد أخذ حمام دافئ، ولكن من أين يأتي النوم، وأنا أبدأ هذه الرحلة الكورية الممتعة، والتي يختلف فيها توقيت النهار والليل عنه في مصر، لذا أخذت أراقب حركة انسحاب الليل في هدوء تام ليعطي الفرصة للنهار لكي يأخذ مكانه الطبيعي في حركة الكون، خاصة ونحن في أقصى الشرق، وعلى مرمى تفاحة من بيت الشمس الالهي.
***
سبب زيارتي إلى كوريا الجنوبية، كان المشاركة في افتتاح المركز الكوري للثقافة العربية والإسلامية بمدينة انتشون، وحضور منتدى التنمية البشرية العالمي الثاني بالعاصمة سيول.
وزيارتي هي الأولى من نوعها إلى تلك البلاد ذات الخصوصية الشديدة التي كنا نسمع عنها فقط أثناء الحرب الكورية (1950 ـ 1953) بعد انتهاء الاحتلال الياباني للكوريتين، وكيف أن كوريا الجنوبية حققت نموا اقتصاديا مذهلا في غضون سنوات قليلة، وأنها تعرضت لأزمة اقتصادية طاحنة عام 1997 مع بقية النمور الآسيوية، ولكنها استطاعت في فترة وجيزة أن تتغلب على تلك الأزمة وتنهض سريعا من كبوتها، لتقدم للعالم أحدث وأرقى نموذج اقتصادي يطمح إلى أن يرتقى سلم الاقتصاد العالمي ليكون على قمته في السنوات القادمة.
عندما سألني ضابط الجوازات في مطار انتشون، بعد أن قلَّب في أوراق جواز السفر، أهذه أول زيارة لك؟، فقلت له: نعم هي الأولى، لاحظت علامات من الدهشة تعلو وجهه، وكأنه يقول: كيف تكون الأولى، ولماذا لم تجئ من قبل؟
إنه تعبير رائع عن مدى الترحاب الشديد للأجانب في بلادهم، أو أنهم يريدون أن يجئ العالم عندهم ليشاهدوا كوريا، وما أصبحت عليه الآن من تقدم وازدهار وقوة اقتصادية عالمية لا يستهان بها، بعد أن كانت في الخمسينيات دولة من أفقر دول العالم، ولكنها حققت المعجزة الكورية فعلا في أقل من خمسة عقود من عمر الزمان.
ولعل لهذا السبب تستضيف كوريا المنتدى العالمي الثاني للتنمية البشرية الذي يشارك فيه أكثر من ثلاثة آلاف شخص من معظم دول العالم، وتستعد لاستضافة معرض إكسبو الاقتصادي العالمي عام 2012، وسبق لها أن استضافت فعاليات كأس العالم لكرة القدم، بالاشتراك مع اليابان عام 2002، ودورة الألعاب الأولمبية عام 1998، ولأنها تعتبر أن في الرياضة نوعا من أنواع الثقافة والسياحة، فقد تم دمج وزارة الرياضة مؤخرا في وزارة الثقافة والسياحة.
***
قبل الرحلة أخذت اقرأ الكثير عن كوريا، لأعرف طبيعة الأرض التي سأزورها والشعب الذي سأعيش في ضيافته عددا من الأيام، والتاريخ الذي صنع تلك الحضارة، والإنسان الذي صنع ذلك التاريخ، وقد أهداني د. أمين بالسفارة الكورية بالقاهرة أثناء حصولى على تأشيرة الدخول إلى كوريا، كتابا مصورا يتكون من 254 صفحة بعنوان "حقائق عن كوريا" في أحدث طبعاته 2006 من إصدار الهيئة الكورية للاستعلامات عبر البحار، فالتهمته قراءة وحفظت ما به من صور، كما دخلت على موقع كوريا نت باللغة العربية على الشبكة العنكبوتية، وقرأت الكثير.
ولكن ما شاهدته على الطبيعة الحية هناك، لا يقارن بما قرأته والصور الفوتوغرافية التي شاهدتها في الكتاب والمطوية التي أخذتها من استعلامات السفارة، وتحمل عنوان "مرحبا بكم في كوريا" كانت قشورا من التربة، أو أمواجا قليلة من البحر الكوري الهادر بالبشر والمصانع والمزارع والأنهار والحدائق والطرق والأسواق والمساكن والمباني والفنادق والمطاعم والملاعب والفنون والموسيقى والرقص والمتاحف والمسارح والديانات والعقائد المتنوعة (الشمانية والبوذية والكونفوشيوسية والمسيحية الكاثوليكية والبروتستانية والإسلام، وغيرها).
وعلى سبيل المثال قرأت كثيرا عن الكيمتشي والبلوكوكي وغيرها من الأطعمة الصحية، والأول (الكيمتشي) نوع من الخضر (أو نوع من الكرنب) المخمرة مع مختلف التوابل، والثاني (البلوكوكي) يعني اللحم المشوي المصنوع من اللحم البقري ولحم الخنزير، وهو من أشهر الأطباق الكورية. ولكن لم يستطع القارئ أن يتذوق طعم مثل هذه المأكولات إلا إذا جربها بنفسه بطبعية الحال، مهما كانت جودة الشرح ونصاعة الصورة.
وعندما تناولت هذه الأطعمة أدركت مدى أهميتها في الثقافة الكورية، وعلى مائدة المأكولات هناك، وبطبيعة الحال عندما يعرف العاملون بالمطاعم والفنادق أننا مسلمون، لا يقدمون لنا البلوكوكي المصنوع من لحم الخنزير، ويقدمون لنا البلولوكي المصنوع من اللحم البقري، وقد احترمت فيهم مراعاة هذه الأمور، وتفهمهم لثقافات الشعوب المختلفة وعقائدهم ودياناتهم.
وقد أوضح لي الصديق د. يوسف عبدالفتاح، وهو من أساتذة جامعة القاهرة الذين يعملون بجامعة هانكوك الكورية، أن حرف التاء لا ينطق إذا جاء بعده حرف شين، أو هكذا فهمت منه، فالكيمتشي ننطقه الكيمشي، وانتشون ننطقها انشون. ولكن عند الكتابة نكتب التاء، مثلها في ذلك مثل كلمات كثيرة في لغات أخرى.
وبالمناسبة فإن حروف الهجاء الكورية تسمى "هانكول" وتتكون من 14 حرفا ساكن و10 حروف متحركة، ويكوِّن اتحاد الحروف الساكنة مع المتحركة مقاطع مختلفة، وعلى هذا يمكن تكوين آلاف وآلاف الكلمات مختلفة المعاني. ونظرا لسهولتها وبساطتها وقلة عدد حروفها فإنه يسهل تعلم هذه اللغة، وبفضل هذه اللغة تكاد تنعدم نسبة الأمية في كوريا.
ومع ذلك مازالت تمثل تلك اللغة صعوبة لواحد مثلي، لم يتدرب عليها بعد، وإن كنت أعتقد أن اللغة الكورية ستكون إحدى اللغات المهمة في العالم خلال العقود القليلة القادمة بسبب الصناعات الكورية التي بدأت تغزو العالم من سيارات مثل هيونداي ودايو وغيرهما (تنتج كوريا 2 مليون سيارة سنويا) والمنتجات الإلكترونية المختلفة حيث تحتل المرتبة الرابعة في العالم بالنسبة لإنتاج الإلكترونيات الرقمية، وبناء السفن على اعتبار أنها دولة شبه جزيرة تحيطها البحار والمحيطات من ثلاث جهات، وغير ذلك بطبيعة الحال.
وقد تنبهت بعض الجامعات المصرية لأهمية اللغة الكورية، فبدأت تدريسها إلى جانب اللغات الأخرى، وقد قابلت في سيول طالبة مصرية دعتها وزارة التعليم الكورية لتقيم ثلاثة أشهر في كوريا، بسبب تفوقها في دراسة اللغة الكورية في الجامعة المصرية، وكأن الحكومة الكورية تكافئ المتفوقين في دراسة اللغة بتلك المنحة، حيث يتعرف الطالب المتفوق على أهل تلك اللغة في عقر دارهم، فتنشئ علاقات أكثر إنسانية مع اللغة وأهلها.
ولقد سعدت كثيرا بتوقيع اتفافية ترجمة الأدب الكوري إلى اللغة العربية، وترجمة الأدب العربي إلى اللغة الكورية، والتي قام بتوقيعها د. جابر عصفور رئيس المركز القومي للترجمة بمصر، ود. هان دوك كيو رئيس المركز الكوري للثقافة العربية والإسلامية في بيت السفير المصري بسيول الدبلوماسي محمد رضا الطايفي أثناء وجودنا هناك.
إن هذه الاتفاقية ستسهم في وضع أسس لعملية الترجمة ليس في الجانب الأدبي فحسب ولكن أيضا في الجانب الاقتصادي والثقافي بعامة، لنتعرف عن قرب على أسرار الإنسان الكوري، وأسرار تلك الطفرة الاقتصادية الكورية، أو كما يسميها بعض المعاصرين، المعجزة الكورية، علنا نستطيع فك شفرة التقدم الكوري ونأخذ منها ما يفيدنا عربيا ومصريا.
وإن كان الأمر حقيقة لا يحتاج إلى فك شفرة وإفشاء أسرار، لأن الكثير من الكوريين المشاركين في جلسة الحوار العربي الكوري التي عقدت عقب افتتاح المركز الكوري للثقافة العربية والإسلامية، عولوا على التعليم ثم التعليم ثم التعليم.
فنظام التعليم الكوري الحديث هو الذي قاد إلى هذا الانقلاب في المفاهيم والتطبيق وخلق الإنسان الكوري الجديد الذي يعشق أو يقدس العلم والتربية والمعرفة والتنمية، مع المحافظة على ثقافته وعاداته وتقاليده وتراثه.
لذا كانت زيارتنا إلى القرية التراثية من أهم معالم الرحلة الكورية، وكذا زيارتنا إلى جزيرة جيجو (أو جي جو - دو) التي تعد فعلا من أجمل جزر العالم، من أهم طقوس الرحلة.
أما مدينة أولسان الصناعية في الإقليم الجنوبي الشرقي التي تحتضن أهم الصناعات الكورية، فلم يشأ القدر أن نزورها حيث عادت الطائرة بنا إلى مطار سيول بعد تحليقها واقترابها من مطار أولسان، بسبب حدوث شرخ مفاجئ في زجاج كابينة كابتن الطائرة، وعدم استطاعته الهبوط في مطار أولسان المحلي لعدم توافر خدمات الإصلاح، فعادت الطائرة بعد أن أنقذتنا العناية الإلهية من كارثة محققة أثناء العودة إلى مطار سيول، وبذلك ألغيت رحلتنا إلى أهم المناطق والمدن الصناعية في كوريا، وكنا سنزور فيها مصانع السيارات، ومصانع شركات إس كيه، وإل جي وغيرها.
لقد كونتُ ألبوما كوريا من الصور التي التقطتها بنفسي أثناء تلك الرحلة، وساعدتني كاميرتي الرقمية الجديدة في التقاط أكثر من 350 صورة ملونة أثناء تلك الرحلة الثرية خلال الأيام الثمانية التي قضيتها هناك، واحتفظت بهذا الألبوم في مجلد خاص على الهارديسك بجهاز الكمبيوتر، وأيضا على (الفلاش ميموري) لأتنقل به كيفما أشاء وهو في جيب بنطالي.
وأرسلت من تلك الصور العديد إلى أصدقاء الرحلة الذين كانوا معي من مصريين ومن دول عربية مختلفة عن طريق البريد الإلكتروني، كما استقبلت من بعضهم صورا التقطوها لي أثناء الرحلة أيضا.
ولا يزال هناك الكثير من أدب الرحلة الكورية، سيحتاج إلى كتابات قادمة.









